محمد غازي عرابي

985

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ الأحقاف : 24 ، 28 ] العارض السحاب ، والسحاب إشارة إلى الذر الذي تراه العلماء اليوم عالم الذرة فيتتبعون أخبارها ، ويكتشفون أسرارها وقوانينها ، ويستفيدون علما من علومها وقواها ، ولهذا جاء في الآية أن من رأى هذا العارض ظن إنه ممطر ، والحقيقة أن هذا السحاب الذري مهلك من في السماوات ومن في الأرض ، والأمر في القبضة ، وما أمره إلا واحدة كلمح بالبصر ، فليقرأ الإنسان كتب التاريخ وأخبار الأمم السابقة البائدة والحضارات التي ولدت وترعرعت وصارت صروحا شامخات ، ثم صارت رسوما دارسات وقلاعا مهجورة تتخذ منها الطيور أعشاشا ، ولتكن في أخبار الأمم البائدة عظة للإنسان الذي هو جزء متعين من هذه الدورة الوجودية المتكررة ، فما الذي يبقى من الإنسان بعد أن يقضي ويطويه الثرى ؟ إنما الغاية من خلق الإنسان أن يعرف حقيقة هذه الحياة المحتجبة وراء هذه الظواهر ، وأن يرتد على آثار من سبقوه قصصا ليستخرج اللؤلؤ والمرجان من أعماق القلب والوجدان ، وليميط اللثام عمن هو نور هذا الوجود العظيم ، فيشع في القلب سناه ، وليشحن من ثم بطاقات جديدة اكتشفها آحاد أفراد يسروا للنفوذ من أقطار السماوات والأرض حتى وصلوا أفق الواحد القهار صاحب الأنوار ، فذابوا في تلك الأنوار ، واحترقوا بتلك الأنوار ، ثم بعثوا بعثا جديدا جديرا بأن يحيا من أجله الإنسان ، قال فيثاغورس الحكيم : إذا فعلت الخير ، ثم فارقت هذا الهيكل كنت سائحا في الملكوت غير صائر إلى الإنسية ولا قابلا للموت . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 29 إلى 35 ] وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ( 29 ) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ( 30 ) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 31 ) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 32 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 33 ) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 34 ) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ ( 35 )